السيد عباس علي الموسوي

46

شرح نهج البلاغة

رسول اللّه ، انظروا نظرة المنتفعين في الرؤية المتعظين بها . ( واذكروا تيك التي آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون وعليها محاسبون ) . اذكروا تلك الحالة القبيحة السيئة التي عاشها آباؤكم وإخوانكم الذين تحبونهم وتتعصبون لهم فإنهم محبوسون بها يعيشون ضيقها وألمها وهم محاسبون عليها مجازون بها ومصيرهم من خلالها إلى العذاب والعقاب . . . ( ولعمري ما تقادمت بكم ولا بهم العهود ) . حلف لهم أن ما جرى على حال أهلهم لم يكن غائرا في عمق الزمن القديم بحيث ينسى وكذلك بالنسبة إليكم فأنتم على قرب مع ما جرى لهم وما كانت أحوالهم فأنتم لستم بعيدين عنهم وعما حدث لهم . ( ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون ) . لم يفصلكم عنهم أزمنة كثيرة أو قرون متطاولة مديدة بل العهد بهم متصل والمكان قريب ومن خاطبهم الإمام قد يكونون أبناء من وصفهم سابقا وقد يكون بعضهم عاش مخضرما بين الماضي الجاهلي والحاضر الإسلامي . . . ( وما أنتم اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد ) . فبالأمس كنتم في أصلاب آبائكم يتوجه النداء إليهم بالأصالة واليوم وقد أصبحتم رجالا يوجهّ إليكم النداء ولا يفصلكم في الحالين إلا مدة قليلة لا تذكر في عمر الزمن . . . ( واللّه ما أسمعهم الرسول شيئا إلا وها أنا ذا مسمعكموه ) . لقد بلّغ الرسول إلى الآباء أصول الدين وأحكامه أسسه وتشريعاته وحذرهم وأنذرهم وخوفهم وبشرهم ولم يترك سبيلا يقربهم من اللّه إلا وهداهم إليه ولم يترك أمرا يبعدهم عنه إلا وقد نهاهم عنه . وقد قام الإمام بعد النبي بجميع مهامه في حق الأبناء لم ينقصهم شيئا فقد تعلم هو من الرسول وكان تلميذه المتفوق فقام مقامه وأدى رسالته وبلّغ مهمته ، فالرسول بلّغ الآباء والإمام يبلغ الأبناء بدون تفاوت أو نقصان . . . ( وما أسماعكم اليوم بدون أسماعهم بالأمس ) . إنكم تملكون من الأسماع كما ملك آباؤكم أسماعا لم تنقص أسماعكم شيئا حتى تعتذروا بعدم مجاراتهم أو عدم إدراكهم واللحاق بهم فما سمعتموه فحللوه وادرسوه وفكروا فيه جيدا . . . ( ولا شقت لهم الأبصار ولا جعلت لهم الأفئدة في ذلك الزمان إلا وقد أعطيتم مثلها في هذا الزمان ) . فاللهّ الذي فتح أبصارهم لينظروا ويعتبروا وجعل لهم قلوبا يفكرون بها ويحللون الأشياء ويدركون أسرارها هو سبحانه الذي جعل لكم في زمانكم